كيف تؤثر مشاعرنا على أجسادنا ؟ تعرف على الأمراض النفسجمسية
كتب // محمد منير حمدان
منذ حوالي 200سنة، لاحظ طبيب الأعصاب شاركو مجموعة من غريبة من الأعراض على مريضة عنده، كانت هذه المريضة تعاني من الهيستريا Hysteriaو التي تعني ببساطة أنها تعاني من الحساسية النفسية الشديدة تجاه النقد و لديها قابلية كبيرة للإيحاء، أي أنها تتأثر بكلام الناس بشكل مبالغ فيه، المهم الأعراض الغريبة كانت تأتيها فجأة فيتشنج جسدها و كأنها مصابة بالصرع Eplipsy ، فقام بإجراء عديد من الفحوصات عليها ليتأكد من إصابتها بالصرع أم لا، و كانت المفاجأة أنه لم يجد شيئاً، و من هنا ظهر ما أطلق فيما بعد اسم الأعراض التحولية Conversion و هي من اسمها تعني أن هنا تحولاً ما حدث في الجسم، و لكن هذا التحول ليس نتيجة الإصابة بأوبئة أو أمراض، بل نتيجة الخلل في المشاعر و الأفكار .
المشكلة في هذه الأعراض هي أنها لا إرادية، أي أنها تظهر من تلقاء نفسها لتعبر عن شيء ما بداخل الشخص، فإذا كنت غاضباً من شخص ما في بيتك و قمت بكبت هذه المشاعر أو لم تخرجها بالشكل الذي يرضيك، فقد تظهر هذه المشاعر في شكل صداع أو ألام في المعدة أو قولون و غيرها، و نفهم من هذا أن هذه الأعراض تأتي لسبب ما و هو لفت النظر إلى أن هناك اعتلال نفسي قد أصاب الشخص، فإذا لم يخرج مشاعره فإن هذه الأعراض ستزداد حدتها و ستتحول إلى أعراض جسدية خالصة .
في السابق كان يُعتقد بأن هذا الاضطراب لا يصيب إلا النساء، و لذلك جاءت كلمة هيستريا من لفظة هسترا و التي تعني رحم، فكان يُعتقد قديماً أن هذه الأعراض النفسجمسية تأتي للمرأة نتيجة التحولات التي تحدث في رحمها بعد الحمل و الولادة، لكن سرعان ما انتهى هذا الاعتقاد بعد ثبت أن هذه الأعراض تأتي للرجال و النساء على حد سواء .
لكن قد يراودك سؤال الأن عن كيف يمكن أن تؤثر المشاعر في الجسد ؟
في الحقيقة لا توجد دلائل ثابتة تفسر هذا الأمر، لأن علم دراسة الأضطرابات النفسية هو علم جديد نسبياً، لكن هناك بعد الدلائل التي فسرها أطباء المخ و الأعصاب منها أن هناك منطقة في المخ تدعى اللوزة الدماغية Amygdala و تستطيع ببساطة أن تقول أنها الحارس الذي يحمي الجسم من الأخطار، لكن كما قلنا في مقالات سابقة فهي لا تستطيع التفرقة بين الأخطار الحقيقية والوهمية فتجعلك تتوتر من المستقبل مثلا رغم أنك تعي يقيناً أن هذا
أمر غيبي لكنك تستجيب لهذه الأفكارلأنها مُلحة و مزعجة، المشكلة لا تكمن في التوتر فقط، لأن هذه المنطقة تقوم بإرسال رسالة عصبية للغدة الكظرية Adrenal و التي بدورها تقوم بإفراز الكورتيزول و هو الهرمون الذي يجعلك في حالة من اليقظة المفرطة و الأدرينالين الذي يجعلك متهيجاً للخطر و كأنه حتمي .
لذلك الأن عند تشخيص القلق المرضي Anxiety ، هناك مجموعة من الأعراض الجسدية التي لا بد من وضعها في الاعتبار حسب مقياس تايلور للقلق، و هي ببساطة ألام المعدة و الإسهال و الإمساك و الصداع و خاصة الصداع التوتري و العرق و ببرودة اليد و القدم غالب الوقت، إذن فالأمر لم يعد مقتصراً على الملاحظة الاكلينيكية للعرض النفسي فقط حتى نقوم بالتشخيص السليم .
و هذا الأمر أيضاً ينطبق على الاكتئابDepression ، مثلاً لا بد من ملاحظة الخلل في النوم عند مريض الاكتئاب، و السبب في ذلك يرجع إلى أن مرضى الاكتئاب يختل عندهم هرمون الميلاتونين و الذي يزداد إفرازه في الليل ليُهيئ الجسم لتجربة النوم، فبعض مرضى الاكتئاب قد يشتكون من أنهم لا يستطيعون النوم أو على العكس ينامون بشكل مفرط، و حسب مقياس بيك للاكتئاب فهناك عرض أخر لا بد من ملاحظته و هو الشهية نحو الطعام، فبعض المرضى يأكلون بنهم و الأخرون يمتنعون عن الطعام لفقدانهم الشهية، و عند ملاحظة السبب العضوي في خلل الشهية وُجد أن الاكتئاب يؤثر على منطقة تحت المُهاد Hypothalamus و هي المنطقة المسئولة عن مراكز العطش و الجوع و الشبع .
و أحب كثيراً وصف الدكتور أحمد عكاشة لهذه الأمراض بأنها بدلاً من أن يبكي الشخص بعينه، يقوم الجسد بالبكاء نيابة عنه، و يتخذ كل جسد منطقة معينة ليقوم بالتعبير عن المشاعر من خلالها، فبعض الأشخاص يظهر عندهم هذا الأمر في شكل صداع نصفي و البعض الأخر في قرحة المعدة و هناك صور متعددة بلا نهاية مثل روماتيزم المفاصل و الربو الشعبي و السمنة .
و أحياناً ما تأخذ أشكالاً مُقلقة للشخص العادي، مثل الشلل و العمى و الصمم، قد تصيبك صدمة حين ترى شخص عزيز عليك يصاب بالشلل، لكن أحب أن أطمئنك بأن هذه الأعراض مؤقتة، لكن قد تزيد حدة الأعراض إذا
كان اهتمام أهل المريض مبالغ فيه، لأنه على المستوى اللاشعوري كما قلنا تأتي هذه الأعراض لغرض لفت النظر فإذا حققت غايتها ستزداد حدتها مع مرور الوقت، لأنك قد تلاحظ مدى سوء حالة شخص ما حين تُشعره بأن حالته صعبة، سيتقمص دور المريض و سيعيش الأعراض حتى لو لم تكن عنده، هذا لا يعني أن تهمل الحالة بل تكون متوازناً في مشاعرك فلا تصرخ أو تبكي أمام قريبك أو صديقك بل كن هادئاً و متفهماً لما يحدث له .
أحياناً تفيد بعض العقاقير المضادة للاكتئاب في علاج هذه الأعراض، لكن حتى تختفي الأعراض بشكل كلي لا بد من العلاج النفسي خاصة العلاج المعرفي السلوكي CBT ، و لكن حتى يتبين الأمر بشكل جلي لا بد أولاً من
إجراء الفحوصات الخاصة بالأعصاب التي يجريها طبيب المخ و الأعصاب، فإذا تبين أن السبب ليس له علاقة بخلل ما في المخ، إذن فنحن نتعامل مع حالة نفسجسمية Psychosomatic .

إرسال تعليق