فيلم فوي فوي فوي - مجلة مارڤيليا.

فيلم فوي فوي فوي.. الوصف الكئيب لاضمحلال المجتمعات . 



كتب // محمد منير 

   كان لابن خلدون وجهة نظر مرعبة تجاه المجتمعات، إذ يرى أن حياة أي مجتمع مثل حياة الإنسان، فالإنسان يكون في البداية ضعيفاً ثم قوياً ثم ضعيفاً، و امتداداً لهذا المنهج أقر بأن المجتمع يمر بأربع مراحل و هي: الميلاد و النضج و الثبات و الاضمحلال، نقطة الاضمحلال هي أكثر المراحل رعباً و هي التي يظن المجتمع الثري أنه لن يصل إليها أبداً، و أنا لستُ هنا بصدد الحديث عن دولة كان فائض قمحها قديماً يُصدر للدول الأخرى، لا لستُ هنا من أجل الدخول في إشكالية عقيمة لن تصل بنا إلى شيء، ما يهمني الأن هو الحديث عن كيف تكون ملامح المجتمع في نقطة الاضمحلال، و هذا هو فيلمنا اليوم الذي مَثل مصر في جوائز الأوسكار و لم يفز بها . 

    تراودني جملة للأستاذ علي أدهم في كتابه ( الجمعيات السرية ) حيث قال : أظلم الأوقات في حياة الأمم هي تلك التي يظن فيها الناس أن الشر هو الطريق الوحيد للخير . أبطال هذا الفيلم يعبرون كثيراً عن هذه الجملة، فهم استخدموا كل طرق الشر الممكنة حتى يصلوا إلى مسعاهم، و مسعاهم ليس التطلع إلى شيء لا يمكن تحقيقه بل هو السفر خارج مجتمعهم المصري الذي يحتضر، قد تقول أن الأمر سهلاً و أن كل ما فيه هو مجازفة بسيطة مع بعض الأموال، لكنك لم تنتبه إلى أنني وصفت هذا المجتمع بأنه يحتضر . 

    هناك نوع مميز من أدب الخيال العلمي اسمه الديستوبيا أي أدب المدينة الفاسدة، و هو ببساطة نوع يتخيل الحياة المستقبلية لأي مجتمع في قالب كئيب و سوداوي و ضاغط، حيث يكون المجتمع شمولياً أي تحكمه سلطة تتحكم في حياة المواطنين و تكون في يد حزب واحد يروج لنفسه طوال الوقت على أنه الحزب الأفضل و يرفض كل صور المعارضة، ما يمكن ملاحظته في هذا القالب الأدبي هو أن محور حياة المواطنين يكون في ثلاثة جوانب و هي الفقر و الجهل و المرض . 

    تخيل كيف ستكون حياة هؤلاء المواطنون و كيف ستكون آمالهم و تطلعاتهم، هل هم يحلمون مثلاً بالحصول على شهادة الدكتوراه أو الاستحمام في حمام الساونا بعد العصر، كلا، إن أقصى أمل يمكن أن يتمسكوا به هو أن يناموا دون أن تتضور بطونهم من الجوع و أن يقوموا بأي عمل حتى لو كان فيه إهانة لإنسانيتهم حتى يحصلوا على قوت يومهم . و هم في هذه البيئة لن 

يكونوا رحماء ببعضهم بل إن شهوة الغيرة و الحقد تتآكلهم، إنهم يعتبرون المجتمع ساحة عراك في غابة استوائية، يأكلون بعضهم و يستغلون أي فرصة ليعيشوا حياة الأغنياء التي لا يرونها إلا في التليفزيون، و لذلك فإن عندهم حقد تجاه هذه الطبقة . 

    حسن بطل قصتنا يمثل كثيراً ما قلته سابقاً، هو شاب عاش في هذه البيئة الفاسدة و تضور جوعاً و استحلب على مضض أفكار الحقد الطبقي، و استخدم كل السبل حتى يتكيف في وسط المدينة الفاسدة، و هو ليس مثالياً بل إنه على استعداد لأن يرتكب كل الجرائم في سبيل نيل لذة العيش، لكن دوي صرخته الصامتة لم يصل به إلى شيء فقرر التركيز على فكرة الهرب من المجتمع متطلعاً إلى أنه سيعيش حياته الإنسانية بالخارج كما يجب أن يكون، ليست القصة بهذا التعقيد بل إنها بسيطة و شيقة و لكنها تحمل تأويلات عديدة و هذا ما أعجبني في هذا الفيلم . 

    الفيلم مليء بشخصيات كثيرة مكتوبة بعناية، مثل شخصية الشاب الراضي عن حاله و الذي يعمل في مطعم مشويات و هدفه في الحياة هو الزواج من الفتاة التي يحبها، لكنه يمر في بصدمة تفتك به و تجعل قناعاته تتغير تماماً، و الشاب الأخر صاحب السايبر و الذي يبيع الأفلام الإباحية للشباب و يشعر بالبطولة كونه يساعدهم على إخراج مكبوتاتهم، فهو يعرف تماماً أنهم لن يتزوجوا و لذلك فهو يتغذى على حلمهم العابث بالشهوة، و مدرس الألعاب اليائس الذي كان ينتظر أن ينال حلمه في أن يكون لاعباً لكن الرباط الصليبي جعله عاجزاً عن تحقيق ذلك، و الصحفية التي تتطلع هي الأخرى لكتابة مقالات ذات قيمة لكنها ترتضي بوضعها البائس في كتابة مقالات تافهة عن شباب التيك توك . 

    أحب كثيراً المؤلف الذي يتعامل مع الشخصيات على أنها بشر، و لذلك فهذه القصة لم تشيطن أو تؤملك أي شخص، كل دوافع الشخصيات منطقية و محسوسة حتى الشرير منها، و هذه جرأة تحسب لصناع العمل، و ما دمنا نتحدث عن الجرأة فالفيلم غير مناسب للمشاهدة العائلية فهناك إيحاءات جنسية من وقت لأخر كما أن هناك تلميحات سياسية مبطنة . 

    الأداء التمثيلي كان رائعاً من الجميع، لدينا محمد فراج بطل الفيلم الذي يمثل شخصية مركبة جداً و لكنه أتقنها بسلاسة و لديه مشهد قرب النهاية سيجعلك تتفهم دوافعه، أما طه دسوقي فهو الشاب الذي يمثل الشريحة العظمى من شباب اليوم و لقد كان لديه تحدي في هذا الفيلم و هو الكوميدياً الهادئة التي تخفي وراءها يأس و قنوط، بالإضافة إلى أمجد الحجار و محمد عبد العظيم، كل هؤلاء كانوا في أفضل أحوالهم، و بالنسبة لنيلي كريم فقد أقول الكلام السلبي الذي قيل كثيراً عن دورها في هذا الفيلم من قبل، و لكنها كانت جيدة و مناسبة للدور لكن مشكلتي هي أن هذا الدور كان يحتاج إلى دم جديد، أما الأداء المفضل عندي فهو لبيومي فؤاد، هذا الممثل هو موهبة شيطانية تسير على قدمين، إنه يتفاعل مع أي شخصية يمثلها و كأنها طبيعته الشخصية، و في هذا الفيلم كان هادئاً في لحظات الكوميدياً و الدراما، إنه هدوء يشعرك بثقل موهبته و قدرته الفذة على تجسيد الشخصية . 

    و لا أنسى دور الموسيقى التصويرية لساري هاني، لم تكن دراما الفيلم لتصل إلى هذه النقطة لولا وجود مقطوعاته الرائعة في الخلفية الصوتية، موسيقاه تجعلك متحمساً مع الأبطال و متوجساً في لحظات التوتر و شاعراً بالحزن و الإحباط في لحظات الدراما .

    أما مخرج الفيلم و مؤلفه عمر هلال فهو الإطار الذي جمع كل هذه الأمور ليصنع فيلماً متوازناً و جدير بالمشاهدة، يُحسب له أن الفيلم ممتع بصرياً، صحيح أن إيقاع الفيلم كان مملاً قليلاً في البداية لكنه استطاع تدارك الأمر و صنع قصة جذابة و سريعة الإيقاع، بالإضافة إلى توجيه ممثليه و توظيف الموسيقى التصويرية جيداً، و أحب أن أشيد بشريط الصوت، و هذا أمر عادي لكن للأسف في الفترة الأخيرة يكون شريط الصوت في الأفلام المصرية سيئاً لكنه هنا كان جيداً جداً . 

    في النهاية.. فيلم رائع و أنصح بمشاهدته .            

Post a Comment

أحدث أقدم