لا أحد يشعر بي.. الانتباه لاضطراب الشخصية الحدية .- مجلة مارڤيليا


كتب// محمد منير حمدان 

    الجوهر الحقيقي للإنسان هو المشاعر، كل مشاعر الإنسان هي برهان حي على أنه كائن معقد، لا بد و أن تلاحظ ما الذي تفعله بنا المشاعر حين أقول لك موقف ما حاول أن تتخيله معي، تخيل أنك في حفل زفاف و الفرحة الغامرة تجتاح الأجواء في كل مكان، لكنك سمعت صوت هاتفك يرن لتفاجئ بخبر يجعلك تقف مشدوهاً لا تعرف كيف تتحرك من مكانك، الخبر كان وفاة شخص عزيز عليك، مخك تلقائياً سيتجاهل كل المؤثرات البصرية و السمعية من حولك وسوف يجعلك تتوحد مع شعورك الحزين بالفقد، و تخيل معي موقف أخر حيث إنك تحضر جنازة شخص تحبه ثم رن هاتفك مرة أخرى لتفاجئ بخبر يشتت تركيزك و يورطك في مشاعر مركبة، الخبر كان أنك فزت في المسابقة التي اشتركت فيها منذ فترة بل و أنك نلت المركز الأول، مشاعرك ستكون مختلطة في ذلك الوقت، لأن شعورك بالحزن على الفقيد لم يتلاش بل إن الذي حدث هو أن هناك شعورك القوي بالفرحة أصبح يجابه شعورك بالحزن .

    هل تخيلت الآن ما الذي تفعله بنا المشاعر؟ و أضيف لك أيضاً أن المشاعر لا يمكن التحكم فيها، و في ظني أن معظم البشر لا يعرفون هذه الحقيقة، فتجد أحدهم يقول لك لا تحزن أو لا تفرح أو لا تحب، أؤكد مرة أخرى أن المشاعر لم يخلق الإنسان بالكيفية التي تجعله يتحكم فيها، كل ما تستطيع أن تفعله هو أن تتحكم في سلوكك الناتج عن هذه المشاعر.. و هذا يعني أن السلوك يكون نتيجة حتمية لما نشعر.. فماذا لو كانت هذه المشاعر حادة و مضطربة و مشتتة و غير مفهومة ؟ و هذا سيجعلنا نتحدث عن اضطراب الشخصية الحدية .

    أظن أن هناك سؤال يراودك الآن بخصوص معنى اضطراب الشخصية، في الحقيقة الأمراض النفسية تنقسم إلى ثلاثة أنواع و هي الاضطراب العصابية مثل الاكتئاب و القلق و الاضطرابات العقلية مثل الفصام، كلا النوعين يكون بسبب حدث محرض للمرض أو البيئة، أي أن الشخص يكون سوياً إلى حد ثم ما يأتي الإضطراب ليجعله يتلظى بالألم النفسي، أما اضطراب الشخصية فهو خلل في شخصية الإنسان، فهناك شخص انطوائي و شخص متزمت و أخر نرجسي، و بشكل عام حين نتحدث عن اضطرابات الشخصية و اضطراب الشخصية الحدية على وجه الخصوص فإننا نتعامل مع أصعب شيء في الطب النفسي، فبطبيعة الحال لا يمكن تغيير طباع الإنسان بسهولة .

  الشخصية الحَدية Borderline من اسمها هي شخصية حادة جداً في انفعالاتها و سلوكها، و هي منتشرة أكثر في النساء، تجد هذه الشخصية تستجيب للمواقف

الطبيعية التي يتعرض لها أي إنسان بشكل عفوي و مندفع، فمثلاً قد تغضب و تنعت من أمامها بأقذع الشتائم دون الانتباه لنتائج السلوك، و هذا ليس لأنها وقحة بل لأن مشاعر قوية تجتاحها في ذلك الوقت و كما قلنا فالمشاعر لا يمكن ايقافها فكيف إذا كانت المشاعر قوية للحد الذي سيجعلك تنفجر إذا لم تفرغها، و لا بد أن ألفت الانتباه أنه على العكس تماماً مما يظنه الناس أن المصاب بهذا الاضطراب يميل إلى إيذاء الناس، بل إنه يحس بالذنب بعد كل سلوك متهور يفعله فيفكر في إيذاء نفسه حتى يتخلص من مشاعر الذنب القوية أيضاً، و بالفعل عدد كبير من المرضى يؤذي نفسه أكثر مرة و قد يصل الأمر حد الانتحار أو التهديد بالانتحار.

    و من الملاحظ أيضاً في هذا الاضطراب أنه لا يفهم نفسه و لا يعرف ما الذي يريده من الحياة أو ما هو الهدف الأسمى الذي يسعى إليه في هذه الدنيا، و يكون لديه خوف حاد من أن الشخص الذي يحبه سوف يتركه، فهذه الشخصية حين تحب شخص فإنها تحبه من كل قلبها و في حالة كره شخص فإنها تكرهه بشدة أيضاً، لكن كيف تخاف من هجر الشخص الذي يحبها ؟

    هي تشعر بمشاعر سلبية تجاه نفسها طوال الوقت، تشعر بالفشل و الدمامة و النقص فتحس بأنها غير جديرة بأن يحبها أي شخص، فتفترض في نفسها أن هذا الشخص سيأتي عليه وقت و يمل منها، و في الغالب هي التي تأخذ الخطوة الأولى في الانفصال تجنباً لما يمكن أن يحدث في حالة صدمتها حين تنفصل.

    و السمة الأهم التي تراها في هذه الشخصية هي أنها متقلبة المزاج، ففي ساعة تجدها سعيدة و منطلقة و تحب الحياة و ساعة أخرى مليئة بالمشاعر السلبية و كره الذات و الشعور بالاضطهاد ممن حولها جميعاً، و هذه السمة رغم أنها تبدو بسيطة إلا أنها هي التي تجعل علاج هذه الشخصية صعب في البداية، فهي في جلسة العلاج النفسي تستجيب لما يقوله المعالج و تتفهم ما يجب أن تفعله، ثم بعد ساعات يتقلب مزاجها بلا سبب فلا تنفذ أي شيء و لا تقتنع بأي شيء قيل لها في الجلسة، و التقلب المزاجي يكون ناتجاً عن تفاعلات كيميائية في الدماغ، فمن الطبيعي عند أي إنسان أن وقت الفرحة يكون هرمون السيرتونين و الدوبامين هو المسيطر و في وقت القلق يكون الكورتيزول هو المسيطر، أما في حالة الشخصية الحدية فتكون هذه التفاعلات الكيميائية حادة و شديدة مما يجعلها حين تفرح تبالغ في الفرح و حين تحزن تبالغ في الحزن .

    إذا كنت قريباً من هذه الشخصية فافهم أنها تغضب بسهولة و تفهم محتويات الكلام بشكل خاطيء، لذلك لا تستعمل مصطلحات غامضة بل اجعل كلامك واضحاً حتى تفهمك، و هذه الشخصية تكون عندها أولوية في التصرفات فهي

تفعل الشيء الصحيح من وجهة نظرها و لا تعبأ إذا كان هذا مفيداً أم لا، و تحس بالاضطهاد حين ترى في عيون الأخرين أنها شخص مبتز و متلاعب .

    بلا نقاش تحتاج هذه الشخصية إلى الأدوية في حالة سيطرة الانتحار عليها كفكرة مُلحة، و رغم أنها تبدو من بعيد كأنها شخصية لا يمكن التعامل معها إلا أنك إذا فهمت مشاعرها فسوف تجد أنها إنسان نقي و مبادر و يحب مساعدة الأخرين دون مقابل، شريطة أن تجعلها تحس بأن لها قيمة في حياتك لأنه كما ذكرنا سالفاً أن الحديين يحسون بالنقص و الفشل أغلب الوقت، و لا تحاول أن تناقشها فيما إذا كان ما تقوله صواب أم لا لأنها يعي أنه في بعض الأحيان تخطيء لكن حدة مشاعرها لا تجعلها تستطيع التفرقة بين الصواب و الخطأ .

    و من ناحية العلاج ففي الغالب يصف الأطباء أدوية مضادة للذهان و لن أضع أسمائها هنا لأنه يحتمل أن تكون هناك شخصية حدية تقرأ هذا المقال الآن، أما في حالة العلاج النفسي فهناك علاج أثبت فعاليته في علاج هذه الشخصية و هو العلاج الجدلي السلوكي DBT و الذي يعتمد على فهم المشاعر و تنظيمها .

Post a Comment

أحدث أقدم