تعرف عن الإدمان عن قرب - مجلة مارڤيليا.

 تعرف على الإدمان عن قرب .


كتب // محمد منير حمدان 

    كلمنا تعمقنا في بواطن المخ البشري أدركنا أن أنظمته مركبة و معقدة جداً، و لعل واحد من أهم أنظمة المخ هو نظام المكافأة Reward System و هو نظام يستطيع التقاط أنشطة الإنسان، لكن ليس كل الأنشطة بل الأنشطة التي يفعلها الإنسان و يشعر بعدها بالسعادة، ببساطة شديدة تذكر معي و أنت طفل صغير عندما كنت تنتظر والدك ليأتي من عمله و معه حلوى من أجلك، هل تذكر كيف كنت تكز على أسنانك من الفرحة ؟ كنت تفرح حتى و أنت لا تعلم هل جاء بالحلوى أم لا، ذلك لأن البداية كانت أنك في ليلة كنت حزيناً و فجأة دخل الأب بقطعة الحلوى للمرة الأولى، تذوقتها لتجد طمعها لذيذ مما يعني أن جسمك أطلق هرمون السعادة ( السيرتونين) في دمك، أضف إلى ذلك أن الأب احتضنك و هذا يعني أن هرمون الحب ( الأكسيتوسين) قد أُطلق هو الأخر، لكن ماذا لو تكرر هذا السلوك أكثر من مرة ؟ في الحقيقة مخك تلقائياً سوف يسجل هذا الحدث كمؤشر قوي للشعور بالسعادة.. لكن مر وقت طويل و أصبحت الحلوى و الأحضان غير كافية لشعورك بلذة السعادة التي شعرت بها أول مرة.. دعونا الأن نتحدث عن الإدمان .

    أتذكر ما قلته فوق عن شعورك بلذة السعادة، هذا بالضبط ما يبحث عنه المدمن، لكن الأمور أكثر حدة هنا، فبدلاً من الحلوى و الأحضان لدينا هيروين و كوكايين و كحول و أمفيتامين و حشيش، كل هذه المواد بشكل أو بأخر يفرز المخ تلقائياً مواد تشبهها تماماً بكميات معينة، لكن ما يحدث في الإدمان هو أنك تجبر المخ بعنف أن يتقبل كمية أكبر من التي يفرزها، و كما قلنا فنظام المكافأة يسجل السلوك، فمثلاً أنت تعاطيت نسبة معينة الحشيش فشعرت بنشوة عجيبة فاجأت مخك و لكنه للأسف سجلها على أنها نشوة مفيدة و ليست ضارة لأن كل ما يبحث عنه المخ هو السعادة بغض النظر عن الكيفية .

    أعتقد أن الغالبية العظمى تظن أن المدمن هو إنسان قرر أن يكون مدمناً، و قد يكون هذا الكلام صحيحاً إلى حد ما، لكن الأمر ليس بتلك البساطة، فقد تمت ملاحظة أشياء عديدة في الإدمان منها أن أحد أهم أسباب الإدمان هو الاستعداد الجيني، فهناك شخص يتعاطى مرة و لا يكررها و شخص أخر يتعاطى فيكررها كثيراً بلا توقف، بل يُزيد من النسبة كل فترة .

    و هناك فرق بين الإدمان و التعاطي، فالمتعاطي هو شخص يأخذ المادة المخدرة أو المنشطة دون أن يعتمد عليها، و يرتبط هذا الأمر عند الشعب المصري بالمناسبات و الأعياد، فتجد بعض الناس تحتفل عن طريق تعاطي الحشيش دون الانتباه إلى خطورة الأمر، أما الإدمان فهو اعتماد كلي على المادة و عدم القدرة على التخلي عنها، و هذا بدوره يسبب خللاً في العلاقات الاجتماعية و الانطواء و الاعتماد على علاقة واحدة فقط مع شخص واحد، لكن الأكثر خطورة هو أن المدمن قد يؤذي أي شخص حتى أقرب الناس حتى يحصل على المادة، و على المدى الطويل يؤدي الإدمان إلى أعراض فصامية كالهلاوس والضلالات .

    لكن ماذا لو قام المدمن بالامتناع عن المادة الإدمانية ؟

    أغلب المدمنين خاضوا تجربة الامتناع عن المادة أكثر من مرة وفشلوا، أولاً لأنه لا يمكن لأي شخص أن يمتنع عن المادة في نفس البيئة التي جعلته يُدمن، و ثانياً لأن أعراض الانسحاب عن المادة تكون قاسية جداً خاصة في حالة المواد المهدئة مثل الهيروين و المورفين، حيث تؤدي بدورها إلى ألام شديدة في المعدة و الأمعاء و العضلات، أما المواد المنشطة و المنبهة مثل الكوكايين و اكستاسي و غيرها فتكون أعراض انسحابها في شكل اكتئاب و خمول و فقدان للطاقة و الهمة .

    و ما دام الأمر هكذا، فكيف نعالج المدمن ؟

    أولاً يجب أن تكون لدى المدمن رغبة في العلاج لأن هذا سيسرع عملية التعافي و لا يعني هذا أنه يمكن أن يتعافي بنفسه، أما إذا لم تكن لديه رغبة ففي الغالب يأتي به الأهل رغماً عنه و ذلك لأنه كما قلنا سلوكياته ضارة على الجميع و قد يؤذي أي شخص بلا سبب، و بعد أن يدخل المدمن المصحة يمر بأول مرحلة و هي إزالة السموم Detoxification و تعني ببساطة امتناع المدمن عن المادة لكن الفرق هنا أنه في بيئة آمنة بحيث أنه لا يستطيع أن يخرج ليشتري المادة كما أنه سيكون تحت إشراف متخصصين، و بالطبع ستظهر أعراض الانسحاب و لكن يقوم المختص بإعطاء المدمن مسكن حتى يهدئ ألامه قليلاً، و تستمر هذه المرحلة مدة أسبوعين تقريباً، بعدها يخوص مرحلة أخرى و هي التأهيل النفسي و فيها يحضر جلسات جماعية لمدمنين و متعافين، و جلسات فردية يعرف من خلالها مدى ضعفه و يتجه نحو الإيمان و التسليم و تستمر هذه المرحلة حوالي من شهر لثلاثة أشهر .

    و بعد التعافي يجب أن يلتزم المتعافي بحضور جلسات زمالة المدمنين المجهولين Na تجنباً لحدوث انتكاسة .

    لكن هناك أنواع أخرى من الإدمان قد لا تخطر ببال الشخص العادي، على سبيل المثال هناك إدمان الشراء، إدمان الحب، إدمان الجنس، إدمان الأكل، و قد نفرد لها مقالات أخرى في وقت لاحق .

    المهم أن التعافي من الإدمان ليس خطة فردية بل يحتاج إلى معونة، فإذا كنت تعرف شخص مدمن حاول أن تساعده على التعافي و لا تجبره على خوض هذه الرحلة القاسية بنفسه لأنه حتماً سينتكس .

Post a Comment

أحدث أقدم