فيلم الكيت كات.. الأزمة الوجودية في الحارة المصرية- مجلة مارڤيليا


 

فيلم الكيت كات.. الأزمة الوجودية في الحارة المصرية .

كتب / محمد منير حمدان  

  هل سبق أن سألت نفسك لم تغيرت الحياة هكذا ؟ لم أصبح البشر يتعاملون مع الحياة كأنها غابة استوائية بلا رحمة ؟ هذه تساؤلات طفولية كل إنسان اصطدم بها عند مرحلة معينة من حياته، فحين تكون صغيراً لا ترى حقيقة الظلام التي من حولك أو ربما تراه و تتجاهل، ثم يأتي سن الرشد ليجعلك تبصر بالظلام الداهم، ترى بواطن البشر التي كنت تتجاهلها لأنك كنت أعمى أو ربما تتجاهل كما قلنا، ترى الحقد و الكره و الظلم و اليأس و البكاء، ثم تتساءل مرة أخرى هل أنا مجنون أم أنني كنت مجرد أعمى ؟ و هناك نوعين من البشر يتعاملون مع هذه الصدمة الوجودية، نوع ينشغل بالحياة و البشر و ينغمس في العمل و المال و الزواج و يتناسى تساؤله الوجودي، و نوع أخر يكتئب و يحزن على كل شيء، فهو لا يعرف كيف يتعامل مع البشر أو يجاري إيقاع الحياة السريع و المؤلم، فتجده يبكي على الأطلال أو ينزوي و ينعزل عن البشر خوفاً من أن يتعرض لصدمة أخرى، لكن تخيل أن يكون هناك إنسان يحمل هذين النوعين، فهو اصطدم بواقع الغابة و أصبح مكتئباً لكنه يخفي هذا الاكتئاب بالضحك و السخرية أمام الناس و هذا نوع من الاكتئاب اسمه الاكتئاب الباسم، و بطل فيلمنا اليوم الشيخ حسني يعاني من الاكتئاب الباسم .

    الشيخ حسني أبصر الحقيقة وسط عتمة الحارة، رأى النفاق و الظلم و القهر و الحقد بأم عينه و لكنه فضل أن يصمت على أن يصرخ في وجوه جامدة، و كما قلنا فهناك نوعين من البشر، و في حي الكيت كات هناك شخصيات كانت من النوع الأول الذي قرر أن يتناسى صدمته و يتعامى و يُعامل الحياة كما يحلو لها مثل المعلم صبحي الفرارجي الذي اشتهر بنفوذه و سلطته في الحارة و إقراره بأن كل شيء يمكن شراءه بالمال، و المعلم هرم الذي يبيع الحشيش و يزني و لكنه ينكر ذلك طوال الوقت، هذه الشخصيات تناست الظلام بأن أصبحوا جزءاً منه، فهم يفعلون كل هذه الموبقات و لا يند عنهم ما يوشي بأنهم يشعرون بالذنب.

   و على النقيض فالنوع الأخر و هو المكتئب مثل يوسف ابن الشيخ حسني الذي اصطدم بواقع الحارة الذي يعكر صفو حياته و يقيده عن السفر أو اكتشاف مواهبه فاكتئب و تعامى هو الأخر و هرب من الواقع في زجاجة الخمر و الموسيقى و الزنا، و لدينا سليمان الصايغ الشاب الطيب الذي كان يحب زوجته جداً لكنها قررت فجأة أن تخونه و تترك له البيت و ظل طوال الفيلم يبحث عنها دون أن يجدها،فيذهب إلى الخمارة يائساً محاولاً أن يتعامى عن حقيقة أن زوجته

الأنانية تركته وحيداً، أما شخصية فاطمة التي تزوجت رجل غني استغلها ليتلذذ بها ثم تركها بين دفتي غابة لا ترحم، و ظلت تتظاهر بأنها أنثى يمكن أن تتزوج مرة أخرى لكنها انفجرت في مشهد ما حين وقفت أمام إحدى أضرحة الأولياء تدعو باكية أن يلهمها يوسف ابن الشيخ حسني، هي تظن أنها تحبه، لكن على العكس فهي تتجاوز علاقة بعلاقة، هي لم تلتفت لما يمكن أن تتعلمه من الدرس الذي جعلها تكتئب بل تعامت و ظنت أن معنى الحياة أن يكون بجانبها إنسان يساندها و يحبها، و لذلك فهي تنازلت عن عفتها و كرامتها مقابل أن يحبها يوسف .

    و لنأتي الآن لبطل القصة و هو الشيخ حسني الضرير الذي يتظاهر بالحكمة، لكن خلف ذلك الوجه تقبع طبقات عديدة، و هذه الطبقات هي تطلعات كل شخصيات الفيلم، فكل شخصية تمثل مرآة لجانب معين من شخصيته، فهو متيم بالحشيش مثل المعلم الهرم و يحب التجارة مثل صبحي الفرارجي.. لكن التناقض هنا أنه أيضاً يحمل حزناً كالحاً تجاه وحدته مثل فاطمة و سليمان، فلقد ماتت زوجته و تركته وحيداً، و يتطلع إلى طموحاته و آماله مثل يوسف ابنه، لكن هل سخريته كفيلة بأن تجعله متوائماً مع هذا الواقع المعتم ؟

    الفيلسوف شوبنهاور كان يرى بأنه كلما زادت المعرفة زاد الألم، لأن الإنسان و هو جاهل لا يكون عقله منشغلاً بكل المؤثرات من حوله، بل يضيق بصره و ينشغل بأشياء محدودة، و الشيخ حسني زادت معرفته فهو تقريباً يعرف كل شيء في الحارة و يعرف كل الخبايا رغم أنه أعمي أمام الناس، و بمناسبة عماه فالفيلم قرر أن يشرح سبب العمى بشكل رمزي، فحين سأله أحدهم عن سبب عماه قال بأنه استيقظ ليرى امرأة عارية تسبح في البحر و على حد قوله حين رآها أصبح ضريراً، و في ظني أن المرأة العارية هي الحقيقة العارية التي عندما يصطدم الإنسان برؤيتها يكون مشدوهاً و مكروباً، و هذا ما حدث معه، لقد رأى كل شيء و علم كل الحقيقة مثل إيكاروس في الأساطير الإغريقية، لكنك حين تصل إلى هذا المستوى من الحقائق لا تستطيع بعدها أن تكون مثل البشر بل تكون كالمجذوب لأن مخك لا يستطيع استيعاب ما رأيته، لكن الشيخ حسني قرر أن ينزل إلى ساحة القتال و هي الحارة ليتألم برؤية كل شيء بصمت و سخرية، لكن هل سيظل ساخراً للأبد ؟

    المصاب بالإكتئاب الباسم يستطيع أن يضحك و يبتسم و هو بين الناس لكن

 بمجرد أن يكون بمفرده يبكي و ينفجر مدلياً بكل مكبوتاته و آلامه، و هذا ما حدث فعلاً في مشهد واحد في الفيلم كله، هذا المشهد هو Master Scene الفيلم، كان الشيخ حسني يتردد على عم مجاهد بائع الفول كل يوم، ليسأله عن السبب الذي جعله يخاصمه، و في إحدى الأيام سأله حسني عن السبب، فقال عم مجاهد بحزن مكتوم " هتبيع البيت يا حسني اللي بنيته مع أبوك طوبة طوبة "، و حسني لم يرد عليه بل تركه و غادر، و رمزية البيت هي الأصالة، أي أنه سبيع أصله، و لنأتي الأن للمشهد المهم الذي كنا نتحدث عنه، و هو حين جاء الشيخ مجاهد لعم مجاهد يستعطفه أن يسامحه و ظل يتكلم معه كثيراً و عم مجاهد لا يرد، حتى بكى الشيخ حسني و لاحت حقيقة ألمه حين قال له و هو منفعل بشكل بليغ " بعد ما ماتت أم يوسف مكنش عندي حتى بني أدم أكلمه.. أنا بكلم الناس حوالين الجوزة.. بفضفض و بضحك في قعدة حلوة لغاية ما أموت.. بيت ايه اللي أنت بنيته مع أبويا طوبة طوبة.. كنت فين أنت يا عم مجاهد لما مرات أبويا خدت الشقة و ادتها لولادها " و بعد ذلك يقول حسني الجملة التي تشرح الفلسفة الوجودية التي تبناها الفيلم و هي " الحكاية مش حكاية البيت يا عم مجاهد.. المشكلة مشكلة الناس اللي عايشة و لازم تعيش " و هذا ما قلته سابقاً حين شرحت تفاصيل الشخصيات و هي أنهم يتظاهرون بأنهم يعيشون الواقع عن طريق التعامي، أما هو فيرى كل شيء و يتألم، و ألمه يزداد حين يكتشف أن عم مجاهد مات و أنه يكلم جثة، تخيل أعمى حزين يكلم جثة .

    و بدلاً من أن يحزن الشيخ حسني على عم مجاهد، قام بوظيفته المفضلة و هي السخرية حتى و هو في العزاء، لكن النهاية جاءت مأساوية فالشيخ حسني قرر أن يركب الدراجة أمام ابنه و يقودها و هو أعمي، و ذلك يعني أن الجيل القديم لا يسمح للجيل الجديد بأن يقود الحياة، و انتهى الفيلم و الدراجة تقع بهم و الشيخ حسني يُغني " يلا بينا تعالوا نسيب الكون في حاله " و هذا يعني أن الشيخ حسني المستبصر سيصبح مثل بقية الناس، سيترك قضايا الكون و الوجود جانباً و يعيش حياته أعمى .

    الفيلم من ابداع داود عبد السيد، و هو قام بتأليف و اخراج الفيلم عن رواية مالك الحزين لابراهيم أصلان، و ابداع داود يكمن في أنه جعل شخصية حسني بدلاً من كونها مهمشة في الرواية بارزة و في صدارة الأحداث، و هي شخصية فعلاً مثيرة للاهتمام، أما إنجازه الأكبر فهو في تهيئة المُشاهد للجو الشاعري الذي يشبه الأفلام الأوروبية لكن بنكهة مصرية، و كذلك بصمته واضحة في

الأداءات التمثلية لكل الشخصيات تقريباً، فلدينا محمود عبد العزيز في أفضل أداء له في تاريخه، و شريف منير و أحمد كمال و أمينة رزق و عايدة رياض، كلهم كانوا في أفضل أحوالهم، و لا أنسى الموسيقى الخالدة لراجع داود التي اعتمدت في مقدمتها على الأورج الكنائسي الذي يشعرك بأجواء مراسم الدفن و يعقبه استخدام الكمان الحزين، و استخدام سيد مكاوي في عزف العود أضاف بريقاً للمؤثرات الصوتية في الفيلم، بحيث أنك عندما تسمع الموسيقى تشعر أنها تروضك و تجعلك مشحوناً بعواطف عديدة و ذلك يسمى في الموسيقى باسم Light Motif و يعني جعل الموسيقى مرتبطة بشيء معين أو مكان، و بشكل عام موسيقى راجح داود هي التعبير الأسمى عن شكل الحارة المصرية في ذهني .

    الفيلم رائع جداً و أنصح بالمشاهدة إن لم تكن قد شاهدته من قبل .

Post a Comment

أحدث أقدم